موضوع 2

رسالة.

موضوع 3

رسالة.

موضوع 4

رسالة.

موضوع 5

رسالة.

الخميس، 5 يونيو 2014

الزوايا" و"لمعلمين" .. وحتمية تجاوز إرث الماضي

رئيس منظمة إنصاف الحقوقية
أحمد ولد السالم
أثار المقالان اللذان كتبهما الأخ والناشط الحقوقي عبد الله ولد آلويمين مؤخرا ، وكان عنوانهما على التوالي : (ذنوب الزوايا ونبل لمعلمين ) و (لمعلمين وجحيم المجتمع النازي ) ، أثارا موجة من ردود الافعال المتباينة امكنني رصدها بوضوح من خلال مسارين اثنين : أولهما بريدي الالكتروني
 الذي تلقى كما من الاسئلة كان ابرزها السؤال عن موقفي الشخصي والطيف الذي أمثله مما أثاره الكاتب من آراء ، وأما المسار الثاني وهو الأهم في نظري فهو الفضاء الافتراضي لشبكة التواصل الاجتماعي الفيس سبوك حيث امكنني رصد حجم الانقسام الواضح لرواد هذه الشبكة ما بين مؤيد متشدد ومعارض متطرف في حين غاب بالكامل أنصار المنطقة الرمادية أو الوسطى ، ما عكس لي بوضوح حالة من الاستقطاب والتخندق غير الحميد ،
و هذا أمر مؤسف ومخجل و لا يبشر بخير في بيئة يفترض في روادها أنهم من المتعلمين و نخبة المجتمع . إن الرأي يجب أن يقابل بالرأي والحجة بمثلها . و إن أي رأي مهما بلغت درجة تشدد صاحبه وتطرفه ، لا بد أن يأخذ منه ويرد وفق قاعدة الامام مالك بن أنس رحمه الله ، من خلال فهم وتفهم ما بين سطوره و تلمس مواطن أوجاع صاحبه والبحث الموضوعي عن دواعي سخطه و ثورة غضبه .. مع الأخذ في الاعتبار أن لصاحب الحق مقالا .
لقد أثار الكاتب جملة من الحقائق والوقائع المريرة و المؤلمة جدا وتكلم بمرارة وجرأة لا مثيل لها عن نكبة شريحة ضعيفة مسلمة ومسالمة ومبدعة استهدفت في عرضها وكرامتها ودينها وكينونتها ، فلم يشفع لها دينها الذي به اعتصمت وفي تعاليمه نبغت ، ولا صناعاتها التي فيها أبدعت وأعطت وما بخلت .. والأدهى من ذلك والأمر أنها أوتيت من مأمنها فانهالت عليها سهام الغدر والخيانة من حيث لم تحتسب فكان هذا الارث الثقيل من الظلم والحيف والكراهية الذي بدأت شرارة بركانه تتطاير منذرة بتفجره بعد أن ضاقت به الصدور وملت النفوس وكلت من تحمل عذاباته ومراراته .
لقد تلكأ الجميع - دولة ونخبا ومجتمعا - في إخماد ثورة بركان غضب هذه الشريحة بعد ان ايقنوا خطأ أنها حديقتهم الخلفية وأنها بالتهميش والازدراء راضية مرضية ، لذلك لم يُبذل أي جهد من أجل إطفاء نار بركان غضبها الدفين أو تبريده و تحييد مفاعيله من خلال التبكير بإتباع مقاربة شاملة عاقلة و فاعلة تصحح الصور النمطية المسيئة الهاجعة بقوة في العقول المريضة ، وتُعلي من شأن ومفهوم المواطنة لتضمد بذلك جراح المظلومين وتشعرهم بأن في الوطن عقلاء ومؤمنون ومنصفون .. وأن طريق المعاناة وإن طال فله نهاية ، وأن ثمة ضوء في نهاية النفق .. وأن عقود التخلف و الكراهية والعار يمكن تجاوزها ومحو آثارها وتحويلها إلى مجرد ذكريات عابرة تتسلى بها العجائز في الليالي الباردة لترحل وتدفن معها في ذات النعش ، لتعيش الاجيال الجديدة كريمة متآخية ومتماسكة وقد تحررت من ربقة الكراهية وسطوة الخرافة .
لقد تعمد ولد آلويمين رمى حجر في قعر بركة راكدة آسنة ، ودفعته جرأته إلى الغوص عميقا في العالم السفلي لمجتمع البيظان ؛ فخاض وصال وجال في المسكوت عنه في العرف الاجتماعي ، ما شكل من وجهة نظر المناصرين جرأة مطلوبة و تنفيسا ضروريا عن حالة حادة من الاستياء و الغضب ظل مكبوتا لعقود من الزمن اتجاه شريحة الزوايا على وجه التحديد ، فيما رأى اخرون في الامر تطاولا متعمدا وغير مبرر نال من شريحة اشتهرت بالنبوغ في العلم وحمل لواء الاسلام .
وإزاء هذا الانقسام الواضح و التضارب في الآراء وتوجس بعض الخائفين على الوحدة الوطنية من أن يكون حراك " شريحة لمعلمين " ، الذي بدأ يتعاظم ، يشــي بقرب دق مسمار جديد في جدار الوحدة الوطنية ونذير شؤم بدنو انفراط عقد مجتمع البيظان بعد أن انفض عنه أهم مرتكزات قوته ( شريحة لحراطين )، بسبب الممارسات الخاطئة ايضا ، إزاء كل ذلك برزت الحاجة لتوضيح بعض الامور ووضع مجموعة من النقاط على الحروف حتى نحدد معالم الطريق الذي عليه نسير وحتى لا يحيد القطار الحقوقي لهذه الشريحة الكريمة عن سكته فينحرف به طاقمه عن مساره الطبيعي والسلمي إلى مسار آخر تُجهل نهاياته ومآلاته ، اذ لا يصح ولا يستقيم أن نتحول من طلاب حقوق الى دعاة فتنة ، ومن مظلومين الى ظلمة نستعمل نفس الادوات و نمارس نفس الممارسات التي ندينها ونناضل من أجل ازالة آثارها ومحو مخلفاتها .
إن مبادئ الدين الذي به ندين ومنطق العدل والإنصاف الذي إليه ندعوا يفرضان عليَّ هنا أن لا أحابي أحدا ولا أجامله ولو كان ذا قربى ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) ، مع علمي بان البعض من رفاق النضال الحقوقي قد تساورهم بعض الشكوك فيظنون خطأ أني قد حدت عن الطريق وتخليت عن القضية وليس الامر كذلك ، بل العكس هو الصحيح فحين نقول للمخطئ منا اخطأت ففي ذلك نصرة له وللقضية ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : انصر اخاك ظالما أو مظلوما قيل عرفنا كيف ننصره وهو مظلوم فكيف ننصره وهو ظالم قال (تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره( . ومن هذا المنطلق فليسمح لي هنا اخي الكريم والناشط الحقوقي الكبير عبد الله ولد آلويمين الذي أجله و أقدر صدق نواياه في أن اختلف معه جذريا في مسألتين اثنتين : اولاهما حدة خطابه الذي كاد ان يجنح الى التشدد والغلو ، سبب عظم مصابه وعمق جرحه ، والمسالة الثانية هي وقوعه عن قصد أو عن غير قصد في فخ التعميم و ورمي مكون بأكمله عن قوس واحدة ، وهذا لا يليق بكاتب مثله وحقوقي في وزنه اذ تقتضي الموضوعية التفريق بين الصلح والطالح والعادل والظالم والمنصف وغير المنصف ، اذ لا يخلو أي مكون أو شريحة من ان تضم بين صفوفها كل صنوف الخير والشر وتلك سنة الله في خلقه (ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) ، ومن ثمة كانت تقتضي المصلحة كسب الفريق الاول وتعرية الثاني من خلال توجيه سهام النقد له فحسب .
صحيح بأن فئة قليلة من الزوايا اختارت قديما أن تبيع الآخرة بعرض من الدنيا والحق الأبلج بالباطل الأعرج فقررت ، بعد أن أعمها التعصب وحجبت الكراهية عن بصرها وبصيرتها نور الحق ، أن تصبح خصما لدودا وسيفا مسلطا على رقاب شريحة بأكملها ، بعد أن رأت في فقهائها وعلمائها منافسا ومزاحما لها غير مرحب به في سلطتها الروحية التي سعت الى احتكارها والظفر بامتيازاتها وثمارها ومنافعها الدنيوية والأخروية ، فراحت تلك الاقلية المتعصبة تنسج من وحي خيالها الخصب الاحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم :(لا خير في الحداد ولو كان عالما)، وتنظم اراجيفها في اراجيز شعرية : ( شهادة القين ترد سرمدا _ والمصلي خلفه يعيد أبدا ) وتوزع الفتاوى المجانية ، وتدس في السيرة النبوية :( كقولها بأن من كسر ثنية النبي (ص) في غزوة أحد هو " امعلم " !!) ... مستخدمة كل انواع الاسلحة و كلما من شأنه أن يقوي حجتها ويقوض جهود الآخر بهدف وضع حد لطموحاته ونسف أية إمكانية لنجاح مسعاه ، فكان أن تلقف الجهلاء من بقية الشرائح الاخرى تلك المزاعم والفتاوى والأباطيل والخزعبلات - باعتبارها جزءا من الدين - ليستخدموها سلاحا مدمرا في وجه شريحة بأكملها ، كان كل ذنبها أنها أرادت أن تحيى حياة كريمة فتجمع بين فضيلة العمل وشرف تحصيل العلم لتزاوج بين ما هو نافع دنيويا و أخرويا معتمدة على الله ثم على نفسها ، فكان التحدي صعبا والثمن باهظا .
لكن وفي مقابل تلك الاقلية الظالمة ، انبرى علماء شناقطة أجلاء كثيرون من الزوايا مدافعين عن شريحة رأوا فيها الخير والصلاح والنفع الوفير للمجتمع فذادوا عن اعراضها وحموا بيضتها واستصدروا الفتاوى الصريحة التي دحضت تلك المزاعم وفضحت زيفها وسوء طوية أصحابها ... كالفتوى الشهيرة التي اطلقها العلامة الكبير سيد اعمر ولد شيخنا الكنتــــي وأوردها المختار ولد حامدون في موسوعته الصفحة 104 - 105 : ( يقول العلامة سيد اعمر والد شيخنا الكنتي ، وما ذكر عن الحدادين بديهي البطلان إذ من المعلوم أنهم لا يرجعون الى أب واحد وإنما جمعتهم الحرفة ، فنهم من هو شريف الاصل ومنهم من هو عربي محض والظاهر من حال اكثرهم أنه من السودان وفيهم أئمة وأفاضل وعوامهم كسائر العوام بل هم خير من كثير ، فمن نسبهم الى الرق أو الشؤم أو أبطل شهادة من ظهرت عدالته منهم أو منع إمامته ضل وكذب وقال ما لا علم له به و لشيخنا جد الوالد كلام في كتبه استدل به بعض الجهال لهذا السؤال ولا حجة له فيه ) . ان هذه الفتوى الهامة من هذا العالم الجليل المتوفى عام ( 1930 م ) تعكس ثلاثة عناصر أساسية يمكن التوقف عندها ، فهي تعكس أولا وبشكل واضح شدة الهجمة الشرسة التي كانت تتعرض لها هذه الشريحة من متطرفين من الزوايا كقوله : ( وما "ذكر" عن الحدادين بديهي البطلان ) وكقوله ( فمن نسبهم الى "الرق" او "الشؤم" او "أبطل" شهادة من ظهرت عدالته منهم او "منع " "إمامته " ضل وكذب و "قال" ما لا علم له به !) ، والعنصر الثاني الذي يمكن التوقف عنده أيضا في هذه الفتوى هو قوله ( وفيهم "أئمة "و "أفاضل" ) وهما صفتان لا تنالان إلا بعد بلوغ اعلا درجات العلم والاستقامة وهذه الشهادة الصادرة عن هذا العالم الكبير تؤكد وجود عنصري النبوغ والمنافسة التي كانت سببا في هذه الهجمة ، والعنصر الثالث الذي تفيده هذه الفتوى او الوثيقة الهامة جدا هي وجود علماء كبار منصفين كهذا العالم الجليل الذي عارض هنا فتوى جده ، التي استغلت من قبل الجهلاء كما قال ، بقصد الاساءة الى هذه الشريحة وهذا ما اردت التأكيد عليه هنا .
ومن العلماء الكبار المنصفين ايضا العلامة البارز( سيدي عبد الله ولد الحاج ابراهيم العلوي ) رحمه الله ، الذي ناصرهم حتى أنه قام بتزويج إحدى بناته من أحد طلابه المنتمين لهذه الشريحة بعد أن توسم فيه العلم والاستقامة لينسف بذلك مقولة عدم الكفاءة الاجتماعية والدينية .
ومن العلماء المعاصرين المنصفين العلامة الحاج ولد فحفو الذي اختار وإلى اليوم احد علماء هذه الشريحة كنائب له في مسجده يخلفه في غيابه وعند مرضه ناسفا بذلك كذب من يزعم بطلان الصلاة خلف إمامهم .
هذا بالإضافة الى بعض المواقف الاجتماعية العظمية والمنصفة و التي جاءت مناصرة لأسر من الشريحة بعينها من ذلك على سبيل المثال ما يعرف على نطاق واسع في منطقة افطوط بولاية لعصابة ب " رحلت ما تقدر " التي جاءت انتصارا لرجل معروف من الشريحة اعتدي على أحد أبنائه وسلبت منه راحلته من قبل زعيم احدي القبائل الحسانية المجاورة خلال حقبة "السيبة " ، فقررت عشيرته ترك تلك القبيلة التي كانت ترتبط معها في حلف وارتحلت لأكثر من ثلاثة أيام متواصلة قطعت خلالها عشرات الكيلومترات وسميت برحلة " ما تقدر " نصرة لأحد ابنائها و هذه العبارة في حد ذاتها تعكس الكثير من معاني الوفاء و العزة و موقفا نبيلا لا ينسى .
وفي أيامنا هذه لا يستطيع أحد أن ينكر مواقف علماء بارزين ومثقفين يشار إليهم بالبنان من مسألة الظلم الذي لحق بشريحة "لمعلمين" ؛ فهذا الشيخ محمد ولد سيدي يحيى الذي يستحق منا أن نلقبه (بعالم الضعفاء ونصير المستضعفين) ، لما اشتهر به من الذود والدفاع الحازم عن اعراض الشرائح الموريتانية المظلومة وتحميله من اسماهم بعلماء " بنافه " مسؤولية ذلك قديما وحديثا ، لقد افرد شريطا كاملا للدفاع عن "لمعلمين" و "لحراطين" مؤكدا فيه كفاءتهم الدينية والاجتماعية يباع هذا الشريط في الاسواق تحت عنوان: "شريط العنصرية " وقد افتى فيه بعدم جواز الصلاة خلف من يزعم بان " لمعلمين " و " لحراطين " لا تصح امامتهم لكونه عنصري ويفتري على الله الكذب . ثم من ينكر مواقف الشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله والشيخ محمد محمود ولد أبواه ، الذي سبب له دفاعه عن " لمعلمين " متاعب مع وسائل الاعلام الرسمية وكذلك الصحفى الكريم محمد لمجد الذي تعرض لتهميش الاعلام الرسمي بسبب جرأة طرحه ، وكيف ننسى المواقف المناصرة و المؤازرة للأستاذ الكبير و المحامي البارز محمد ولد الشدو الرئيس الشرفي لـ "منظمة إنصاف " الذي أعلن انضمامه لها من أول يوم , و هو يحرص على حضور جميع انشطتها الاعلامية والتحسيسية مدافعا ومنافحا عن حق هذه الشريحة في الانصاف والعيش الكريم على هذه الارض .
إن علينا جميعا أن نعمل على تجاوز إرث الماضي بكل مآسيه ومراراته والتطلع إلى المستقبل بروح غير انتقامية كي لا نوسع الفجوة من حيث أردنا ردمها أو تضييقها ولا ننكأ جرحا نسعى إلى علاجه ، ولن يتم ذلك إلا من خلال نهج مقاربة عاقلة وراشدة تقوم على المزاوجة بين الحزم في طلب الحقوق وعقلانية الخطاب مع التشبث بالصبر وطول النفس ، فذلك وحده ما يضمن لنا ربح معركة استمالة القلوب وكسب المزيد من الاصدقاء والمتعاطفين الخيرين من نخب شعبنا الدينية والثقافية والسياسية الحقوقية .
إن قضية شريحة " لمعلمين " رغم آلامها وآثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية المدمرة ، لم تأخذ يوما – من وجهة نظري - طابعا عنصريا واضحا ولا بعدا إسترقاقيا ؛ لذا لا يمكن اخراج حلها عن سياقه الاجتماعي وإطاره المحلي ، فنحن لسنا أقلية أو عرقا قائما بذاته له خصوصياته الثقافية أو السوسيولوجية أو الدينية ... وليس من مصلحتنا محاولة تجذير ذلك وترسيخه ، وإنما نحن جزء من أمة وحدها الاسلام ، وشريحة أصيلة من شرائح مجتمع البيظان الذي وإن كنا نحترمه ونجله ولا نعسى للإضرار بوحدة نسيجه أو الانسلاخ عنه ، فإننا بالمقابل لن نقبل بعد اليوم بظلمه وتجبره و غطرسة سياساته وتخلف عقلياته المجافية للدين الاسلامي الحنيف ومبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان .

ذنوب الزوايا ونُبل لَمْعَلْمِينْ

الكاتب عبد الله ولد آلويمين
لامفر.. فغذابات القرون الخوالي توخز كوخز المشتل في الأكباد " لِلَمْعَلْمِينْ" من جراء ردمهم في حفر إضطهاد المجتمع، وتعاقب الأجيال تحمل تمييزهم وعنصرتهم لتصب مآسي على مأساتهم بلا شفقة عليهم ولا إنصاف من آثام إفتراءات الزوايا تملأ حوافر الأزمنة عليهم ظلما ولؤما وتصب فوقهم طلاسم لعنة معقدة أيما تعقيد، وتشتت أجيالهم مشردي الكرامة على أديم موطنهم، لتنيخ بقاماتهم السامقة تحت وطأة الذل هوانا وهم الأعزة، ستحدث عن نفسها منتفضة من غورها الآسن كما تنسل ورقة التوت من غصنها متحررة تجرفها الرياح المرسلة وتُرنحها كأنما تُراقصها نحو الحرية كما تريد، وكما تطير اليأفوفة مشرقة يغطيها ندى الزهر تعانق أنوار الشمس الذهبيبة تضيئ الكون بعد عتمة ليل مستبد.. فلا مناص إذا.. فتراث الإحتقار والإفتراء الذي جمعته قربة القرون العفنة وحفظته عقول الناس من قطان هذا الربع، سيقيض له الله من يدلقه للبشرية على أديم الحقيقة ليكون شاهدا على أطول حالة تمييز عنصرية في تاريخ الإنسانية ضد "لَمْعَلْمِينْ" بما اختزلته من صنوف ظلمٍ، عذب الأفئدة وأهان الأرواح طويلا، وكان لعنة طاردت هذه الشريحة ولحقت أجيالها وأحفادها، لا يفلهم منها تحضرهم ولا خلقهم الرفيع، ولا سلميتهم ولا ثقافتهم، ولا علمهم الغزير، ولا قيم الإسلام الذي يجمعهم بالناس، فأي صنف من المسلمين هو هذا الذي اقترف في حق "لَمْعَلْمِينْ" ما اقترف من الظلم والتجني، وأي وصف لغوي يستوفي التعبير عنهم بما يثلج الصدر ويقدم للعالمين صورِ هذا الواقع المؤلم كاملة.. لا يوجد أي تعبير ولا أي وصف لغوي يمكن أن يستوفي المعانات حقها.. معانات "لَمْعَلْمِينْ" والذل الظلم الذين حاقا بهم خلال خمسة قرون من الدهر متحولا إلى لعنة شنيعة، سوى "حسبهم الله ونعم الوكيل"
الزوايا جمع زاوية، والزاوية هي الركن الجانبي من الشكل المربع قد تكون قائمة حادة 90 درجة مثل زاوية الغرفة أو منفرجة 60 درجة كزاوية السياج المعوج، واصطلاحا هي كلمة أطلقت على فئة من أشباه البشر ما قبل القرن الخامس عشر ويقابلها في اللهجة الحسانية كلمة (الطلبة) بفتح الطاء وتسكين اللام وتعني أططلاحا في اللهجة المحلية التسول، وترمز في القاموس المجتمعي إلى الجبن والخنوع والتذلل والرياء في الفعل والعمل..
ومفهوم الإنزواء في طب النفس مرض عضال خطير خطر إفلات المجنون من عقاله بين الناس، والمنزوي بطبعه في علم النفس يقوده مرضه إلى الشذوذ في التفكير والفعل ما قد ينعكس على نفسه جسديا وعلى غيره معنويا.
لذالك ما تنقضي فترة من الدهر الشقي بهذا الربع إلا فاجئنا من هذه الفئة شخص يرمينا بالسوء والجهل ويهضمنا حق المسلم على المسلم في أن يكف عنه لسانه إن لم يستطع قول خير فيه، مع أن الإنسان من حيث هو، أبيض أو اسود أو بيظاني عربي بين قوسين، كرمه الله عز وجل واسجد له ملائكته البررة الكرام، وأخلفه في أرضه يضرب مناكبها سعيا في الرزق وحصدا للثواب والأجر، عليه أن يسبر أغوار المعرفة بما يقرب عقله من بارئه ليهتدي إلى دروب تقواه، ولما كان هذا هو الإنسان اختلفت طباعه وعاداته وتقاليده من مكان لآخر، وزمان لزمان.. كفر بربه في ازمنة وأوطان حتى ملأ كفره حواشي الأرض، وشيد به إمبراطوريات عظيمة طواها الله طيا وجعلها موعظة للناس وأسعف العالمين بعدها بنور الإسلام، دينا بينا نيرا يشع بالعدل والإحسان وبالمساواة، لا ريب فيه ولا يأتيه الباطل ولا شية فيه، أول ما أقر وأمر به الثقلين على شتى أصنافهم.. ملوكا ومحكومين وسادة وعبيد وضعاف وأقوياء ومردة وأبالسة، إحقاق العدل وتجنب الظلم والتزين بالأخلاق التي هي قلادة الأمم وزينتها عبر العصور وثرياها البراقة في حلكة العادات ودجى الضلال وعتمة التقاليد البغيضة التافهة المفترات على الإسلام (وما أبعد الزوايا لصوص الإنسانية وخطاف الضمير الجمعي من هذه الخصال).. فهم اليوم مدعوا المهدية والنبوة.. ومنهم صدح الزنادقة بالإلحاد، ولوث جهلائهم الجهاد، ومشعوذوهم باسم الولاء لله سنة المصطفى الطاهرة ذات المحجة البضاء.. منهم ظهر الإنتحاريون والإرهابيون فقطعوا الطريق، وقتلوا النفس يغير حق.. وخرج منهم كعفاريت الجن من قماقمها لصوص ينهبون المال العالم وزكاة مسلمي الخليج..
منهم ظهرت طباع غيرت أخلاق مجتمع بأكمله وقدموا المصحف الشريف للرئيس معاوية ذات كرنفال سخيف باسم هدية متواضعة، وسوقوا للمجتمع قبائح الأفعال فضائل.. ورغم كل ذالك يلقون بحجاب على العالمين ليبقى لَمْعَلَّمْ في عيونهم لاخير فيه ولو كان عالما ومن أصل يهودي ويمثل كل سواقط الأفعال في صورة تعكس حقيقة اختلاف الألوان بأعينهم عجيبة، لا ينتبهون بعدها لفسقهم كأنما تحجبها ظلال لعنة مسلطة على لَمْعَلْمِينْ مستحيلة الإبطال والحل كما تصفد سلاسل جهنم جهنم، ويبلط الجرجير قيعانها..
وقد بلغت بهم العنصرية ان باتوا ينكرون علي "لَمْعَلْمِينْ" التململ من هذا الوضع المزري غير الإنساني الذي يرزحون تحته، بأن يحدث أحدهم والذين في حزبهم نافيا أية معانات للَمْعَلْمِينْ ساخرا من صراخهم وآلامهم، بل يقول "حتى لَمْعَلْمِينْ أيضا يريدون أن يخرجوا من الطوق" وكأن لسان حالهم يحدث بأن موريتانيا وما عليها ملك ايمانهم ببشرها ودوابها متوهمين أنها بلدهم وحدهم، بينما هم سبب شقائه وتخلفه، لأنهم أشبه بالذئب الذي يتبول على جذع بمكان مقفر ويصدق أنه ببوله النتن الذي تلوث رائحته الهواء صار يملك تلك البقعة ونواحيها. وهذا ما وجب منه الدفاع عن العرض حتى نسجل للأجيال اللاحقة من لَمْعَلْمِينْ أننا لم نسكت يوما عن استنكار المعاناة ومقاومة المذنبين، لأن الدفاع عن النفس مشروع، والذب عن العرض مفروض، والصدح بالحق ولو كان يقع في النفس موقع السيف من الوِدَّاج هو مقبض الدين وسنام كل أديان الله عبر التاريخ.
وللزوايا مع لمعلمين قصة عبر السنين تختلف عن باقي القصص.. قصة سومها الحقد والحسد والظلم والتقول على رسول الله بالزور والكذب والتضليل الذي عم أمة بأكملها، غرس هؤلاء في عقولهم وصوروا لهم عن لَمْعَلْمِينْ من التصوير المرعب ما تنيء تحته الأنفس وجعا وترج له السموات رجا، حتى صار مع الزمن سحر أو لعنة معقدة الرموز أحيتهم في مجتمعهم كما تستقر اللحمة على الجمر، فغطاهم بأوار من الكراهية كما يغطي الليل الداجي وجه الحياة بعد رحيل النهار..
هل تصورتم هذا الربع قبل خمسة قرون تنسف الرياح وغضب الطبيعة بساكنته، لما كان المجتمع كما الشعوب في العصر الحجري، حيث قدم لَمْعَلْمِينْ له الخيمة والخبطة والوسادة والدفئ والمحلاب والسرج والراحلة، ومحفظة التبغ والقدَّاح والقدَاح، دون أن يستقوا ذالك آنذاك من الغربة، ودون أن ينالوا جزاءا، بل كان إبداعا واختراعا خالصا نتاج ما من به الله عليهم من العقل والذكاء.. هل تصورتموه في تلك الحقب يزرع ويطحن حبوبه في الهاون الذي قدمه له لَمْعَلْمِينْ، وتصورتم أو تخيلتم كيف نحتوا لكم الدوات، وجدفوا القلم، وجلدوا الكتب، ورققوا الجلود لتصبح قراطيس..ههههه..
تلك القراطيس التي سيوظفها الزوايا فيما بعد لما انزوو بدعوى التفرد للعلم يسطرون بها الأكاذيب السوداء والإفتراءات البغيضة على لَمْعَلْمِينْ الذين تكرموا بها لهم _(يالسخرية القدر)_ وكأنما أرادوا أن يقتلوا فيهم روح التطلع بما حباهم الله به من الذكاء والهمة فلا يخرج منهم عالما ينافسهم في دين الله مستقيما على سنته مبتعدا عن الخزعبلات الكهنوتية التي جذروها ولوثوا بها السنة الطاهرة نتاج تحريفهم فيما بعد لضوابط الإسلام وعقيدته، فكانت كتاباتهم كبول الذئب على الجذع، تنفر منهم الناس، حتى أن الشخص ليقسم أنهم اضطلعوا على (بروتوكولات بني صهيون) فما كانت أساليبهم حينذاك إلا كأساليب اليهود للسيطرة على العالم في أيام مناحيم وايزمن.
هل كان أسلاف الزوايا حقا مسلمين؟.. ألا يرسخ في ذهنك اليوم سيدي القارئ أن رسول الله قال لا خير في الحداد ولو كان عالما؟.. وأن المعلمين من أصل يهودي. وأن لمعلم لا يؤم.. وأنه ليس اهلا للكفاف.. وإن أحد الكتاب يقول إن أصلهم روثة حمار.. ذالك ما دونوه ورسخوه في عقل المجتمع عن لَمْعَلْمِينْ فهل هذه افعال مسلمين يؤمنون بالله واليوم الآخر؟.. كيف لمجتمع أن يقبل هذه المؤامرة على من أحياه ومدّنه. وحفظه وحضّره. وجعله خلقا جديد؟ بعدما كان يرزح تحت نير الجهل والظلمات عاجز عن نحت لوح يسطر فيه الحمد لله رب العالمين؟.. هل يمكن أن تتآمر أمة على جزء منها وشريحة بهذه الطريقة كما تتآمر التماسيح على صغارها في مواسم التزاوج؟.. وكيف صار العقل الجمعوي الموريتاني مع الوقت أعمى إلى درجة لا يصير للخير فيه معيار يميز به بين الخبيث والطيب، واختلطت عليه معاني السمو مع مفاهيم الخرافات فانتج عبر التاريخ جيلا نشازا عن الإنسانية ضاعت منه القيم ولم بعد يميز بين الفضيلة ولخطيئة؟..
هل تصورتم جحافل الخيل الحسان تصارع حر الشمس في معارك لقويشيش ووديان الخروب وأم التونسي فوق صهواتها الرجال، يقاتلون الفرنسيين ليدحروهم شر هزيمة؟.. ألم تتساءلوا إن كنتم تصورتموهم يوما واهتززتم طربا وأنتم تتخيلوا في حلم يقظة دخان البارود وزغردة الغيد ودندنة الطبول، كيف هزم البداة روافد الحضارة أولئك؟.. الم يأخذكم الفضول حول أسلحتهم؟.. حول الفردي والكشام .. الأسلحة التي صنعها لهم لَمْعَلْمِينْ، أهذا من الإنصاف وقيم العدل؟.. كيف يمكن أن لا يحضر في سفر التاريخ مقاوما واحدا من لمعلمين؟.. كيف تظنون أن عاقل سيصدق أن الفضول لم يحدوا يوما بصانع الفردي ليجربه في جبهة عدو، إلا إذا كان تاريخ هذه الأرض مزيف ومزور وترهات من الأكاذيب، تماما مثلما هي الإفتراءات على لمعلمين ؟.. هل الإنصاف والعدل أن ينساق المثقفون اليوم من حملة الدكتوراه والماجستير ممن هذبتهم الحضارة الغربية التي وفدوا منها، خلف فئة من المتخلفون عن قيم الدين الإسلامي ويباركون لعنتهم للمعلمين ضاربين عرض الحائط بالفكر المتنور الذي تلقوه وكأن عقولهم عقول ديَّكة لا تتسع لحفظ واحد كيلوبايت من الثقافة؟.. ويدافعون باستماتة عن هذه الطبقية الجائرة الحاقدة؟.. ألايكفى هذا كله لِلَمْعَلْمِينْ لأن يهاجروا من هذه الأرض الظالم اهلها، أو يثوروا كما تثور البراكين في سبيل الكرامة، أو حتى ينتحروا دفعة واحدة فيرتاحوا قبل ان تتغير خارطة السلم الأهلي ويصبحون أرقاء المستقبل في هذا البلد الميؤوس منه؟..
وهل يمكن أن يقود التأمل يوم الثامن والعشرين نوفمبر الفان وثلاثة عشر موريتانيٌ واحدٌ ليفكر في ماساة "لَمعلمين" ويستحضر تلك القرون الخوالي التي حملوا فيها أجداده من ضنك الحياة إلى شط الرغد، ودحروا عدوا نزل بمرابعهم ذات يوم بائس يفرض الإتاوات عليهم ويتخذ من المسلمات مكرهات وراضيات أخدان، يورثهن الأفرياء، فيقف ولو في بيت مغلق عليه بينما ينضج (الأطاجين) في يوم عطلته ذالك يحيي بتحية إجلال وتقدير وإنصاف لمعلمين؟.. هل سيملك الجرأة على ذالك ولو كان بعيد عن أعين الناس؟.. هل سيتساءل بشجاعة وموضوعية خالصة لله عن ذنب لَمْعَلْمِينْ الأصلي الذي شردوا بسببه من فناء الكرامة إلى قفار الذل والتمييز والإحتقار؟..
لا أظن ذالك، بل أجزم أنه لن يحصل في هذه الحياة الدنيا أبدا، وإنما ستمضى هذه الذكرى كما غيرها من الذكريات الإثنتين والخمسين السابقة يكرم ويوشح فيها رئيس البلاد الجبناء والسفلة والمفسدون واللصوص، ممن سلطوا على لَمْعَلْمِينْ لعنة معقدة العقد دون أن يتكلف المتنورون عناء استنكارها والبحث عن سبل إبطالها؟.. ليظلوا يتمرغون ويرزحون تحت سلطان الظلم في تمالئ بين المجتمع، وتعامي من المثقف والعالم والفقيه، داخل علاقة عهر وضيعة بين المذنب والنخبة، فالحمد لله الذي لم يجعل الدنيا دار خلود وجعل للعباد يوما عنده يختصمون.

الاثنين، 2 يونيو 2014

حراك لمعلمين: حراكنا حقوقي اجتماعي لا علاقة له بالسياسة

قال حراك لمعلمين في بيان وصل السراج إنه"حراك حقوقي اجتماعي لا علاقة له بالسياسة، إلا من باب المطالبة برفع الظلم عن أبناء لمعلمين الذين يمارسون السياسة في مختلف الأحزاب السياسية للبلد".م
وأكد البيان :"قد انتخبنا جدو ولد البشير منسقا جديدا لحراك لمعلمين. وفقنا الله جميعا لما فيه خير شريحتنا وبلدنا الحبيب".

نص البيان:

يعلن حراك لمعلمين أن السيد أحمودي ولد الصديق منسق حراك لمعلمين قدم استقالته أمام المكتب التنفيذي لحراك لمعلمين نظرا لظروف تخصه، وبهذه المناسبة يعتبر أعضاء الحراك وكل من فيه أنهم قد فقدوا مناضلا كبيرا شرفهم العمل معه عدة شهور كان فيها أداؤه متميزا وكان أخا صادقا أفاد القضية وأعطاها دفعا قويا نتيجة لإيمانه الصادق بعدالتها
. ونرفع إلى علم الجميع:
-أن حراك لمعلمين حراك حقوقي اجتماعي لا علاقة له بالسياسة، إلا من باب المطالبة برفع الظلم عن ابناء لمعلمين اللذين يمارسون السياسة في مختلف الأحزاب السياسية للبلد.
-حراك لمعلمين مازال قائما بدوره ولن يتقاعس عن أداء مهامه المطالبة برفع الظلم المعنوي والمادي عن شريحة لمعلمين بطريقة سلمية وعصرية، حتى ولو فقد الحراك كل أعضائه ففي كل يوم يولد مدافعون جدد عن الكرامة البشرية، وما ضاع حق وراءه مطالب.
كما نحيطكم علما أن الحراك قد أنتخب السيد الدكتور جدو ولد البشير منسقا جديدا لحراك لمعلمين. وفقنا الله جميعا لما فيه خير شريحتنا وبلدنا الحبيب. منسق حراك لمعلمين د. جدو ولد البشير.

الأحد، 11 مايو 2014

مسؤولون يتطيرون من لمعلمين

سعدان بنت خيطور
دأب مجتمعنا ردحا من الزمن على ثقافة تعتمد في أسسها على الإيمان العميق ـ الذي يقتضي العمل ـ بعقلية التمايزالطبقي  والتفاضل بين البشر تفاضل يقوم على إعتماد المكانة في البنية الإجتماعية المتصرف فيها كمعيار أساسي ناهيك عن المبالغة في إعتماد معياري  اللون والقبيلة
حيث ظل المجتمع الى عهد قريب ـ  أو لايزال بعضه ـ يؤمن بأن القبيلة الفلانية أكبر من حيث المبدأ من القبيلة الفلانية والأسرة الفلانية "أغلظ " من الأسرة الفلانية والفخذ الفلاني لايجوز بأي حال من الأحوال أن يتزاوج أفراده مع أفراد الفخذ الفلاني وغير ذلك من التفاهات  لأن ميزة  ـ حتي لاأقول قيمة ـ الكبر هذه مرتبطة في نظرهم بإسم القبيلة أو الفخذ أوالشريحة أو حتي الأسرة  التي تدعيها  وليس بالضرورة مرتبطة بأداء أو إستحقاق مكتسب , وإنما " ولد الصالحين الا عادلك حمار ـ أكرمكم الله ـ لاتركبو " كما هو موجود في موروثنا الشعبي , ناسين أو متجاهلين أن ولد الصالحين بين قوسين إذا أصبح حمارا ـ أكرمكم الله ـ وتعامل بمقتضي ذلك وجب إمتطاؤه والتعامل معه إنطلاقا من أن قيمة كل امرء في ما يحسنه ... إذ لم يحل صلاح نوح عليه السلام ونبوته ودعوته والصبر على الأذاء في سبيلها دون إغراق إبنه ولم يحل عظم مكانة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عند ربه من موت عمه أبي طالب على الكفر ولم يحل  صلاح أنبياء الله نوح ولوط الذين وصفهما القرآن بنفس الصفة (الصلاح ) من عذاب زوجتيهما فضرب الله للذين كفروا امرأتا نوح ولوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شئ .... لكن صلاحنا بين قوسين في مجتمعنا يبدو أنه أطول صلاحية وأقدر على التعدي الى أبنائنا ولو أضحو ا وشغلهم الشاغل هو سرقة السيارات وإغتصاب البريئات ونشر الرذيلة  في سن المراهقة وإذا تقدم العمر وتجاوز الى سن الرشد كانت سرقة المال العام والضلوع في الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة والسباق المحموم نحو الحصول على أكبر كم من الإستفادة من ممتلكاتها وإمتيازاتها بحق أو بغير حق ... ورغم ذلك كله يظل أولاد الصالحين  في مجتمعنا " صالحين وتوف " وتظل عقلية التفاضل الموروث والذي لا دخل لسلوك الفرد ومسؤولياته فيه تعشش في عقول غالبية أبناء مجتمعنا للأسف رغم التمظهر الزائف بتحكيم قيم الإسلام ـ التي مر معنا كيف أنها جردت الإبن المباشر ـ  وليس الذي تفصل بينه وبين أبيه سلسلة طويلة قد تفقد بعض حلقاتها ويصعب إن لم أقل يستحيل الربط بينها وبين منتهي السلسلة أو الجد الأسطوري لها ـ كيف أنها جردت الإبن من صلاح أبيه بعد عدم توفر شروط إستحقاق الصلاح فيه بل وحتي التحلل من قيم العدل والاقرار بالمساواة بين بني البشر ناهيك عن شركاء الدين والوطن والعرق والنسب في أصل الحقيقة ـ إذا ما نحينا الإدعاءات جانبا ـ فطبيعتنا في مجتمع البيظان للأسف هي إحاطة الأمورة بهالات وخلق الأبهات وجعل من الحبة قبة ... ورغم ما يعكسه التمسك بمثل هذه العقليات البائدة والسلوكيات المقيتة من إمعان أصحابها وحملتها والمروجين لها والمؤمنين بها والمشككين في تفاهتها وسقوطها في بحور التخلف والرجعية والفشل الذريع في القدرة على التكيف مع قيم الإسلام السمح والمدنية اللبقة والبعد كل البعد عن النضج والوعي الا أن بعض الشر أهون من بعض وبعض التخلف والرجعية أهون من بعض حيث يمكن  ـ وبصعوبة ـ التغاضي عن حديث بل وإعتقاد بعض الشيوخ الذين لم يعد لهم كبير دور ولاتأثير قوي في مجريات الحياة  اليوم في  مثل هذه العقليات التي نتحدث عنها  رغم أنه ينبغي أن تبذل كل الجهود حتي لايسمح لهذه الأفكار التي تدعو للتعالي بغير حق وتكرس لإحتقار المسلم وتنمي مرض الكبر في قلوب شباب المسلمين أن تتجاوز جيل حامليها.....
لكن الذي يدعو لمزيد من الأسف ومما يضاعف الخوف على مستقبل مجتمعنا ويبعث للجزم على أنه فشل فشلا ذريعا ـ أعني الغالبية فهنا ك لاشك إستثناءات ـ في تجسيد روح الإسلام السمح الذي طالما تغنينا بحملنا لمشعله وفي قيم المدنية والرقي التي غالبا ما تمظهرنا بمعالمها , لكن يبدو أن كل ذلك للأسف لم يكتب له أن يتجاوز المظهر الى الجوهر بعد
ففي الأشهر القليلة الماضية وصلتني ـ ومن مصادر موثوق بها ـ ثلال حالات تعكس مستوي تمسك غالبية أبناء مجتمعنا بتلك العقليات المتخلفة الرجعية والتي لاأساس لها من الصحة ولايقبل بها ذو عقل غير معطل عن العمل , لدرجة أن مسؤولين رفيعي المستوي في الدولة تصرفوا بإملاءات تلك العقليات البدوية وفي أماكن عمومية وفي أوقات الدوام وأمام الملأ سأذكر أصحاب هذه التصرفات بأسمائهم وصفاتهم تبيانا للحق وغيرة على الوطن ورغبة في فضح سلوك التخلف وحملة الأفكار البائدة ودعوة لتعرية كل من يتصف ويتصرف وفق إملاءات العقليات المتخلفة من مسؤولي الدولة وسحب رخص تمثيلها منهم فلا يحق لمن لاتزال تعشش في ذهنه عقليات البداوة ومجتمعات السيبة أن يمثل سوي نفسه وأفكاره الرجعية
أما الحالات المؤسفة فهي :
أولا
مع وزيرة الثقافة والشباب والرياضة سابقا السيدة لالة بنت الشريف التي نقل عنها بعض جلسائها إبان توليها الوزارة وتحديدا بعد إنتهاء الإنتخابات البلدية الماضية أنه دخل عليها إحد أعضاء الحزب الذي ترأسه حزب الحراك الشبابي ليستوضح منها أمور تخص مصير  ملف مالي في الحزب وميزانية الحملة فكما نقل عنها بعض جلسائها القلائل أنها إستشاطت غضبا في وجه الرجل قائلة " وخظو ذ لمعيلم عن وجه "  ـ وواصلت في العبارات النابية التي أصون قلمي عن كتابتها والتي  تعبر عن إزدراء شريحة ومكون من مكونات مجتمع الوطن الذي يفترض أن تسهرالسيدة الوزيرة  على مصالح مواطنينه بمختلف ألوانهم ومنحدراتهم الإجتماعية دون تمييز ناهيك عن إحتقارهم  ـ وصرخت في وجه الرجل الذي تبين لاحقا أنه لاينتمي لشريحة لمعلمين نهائيا ولكن السيدة الوزيرة لم تحبذ التحقيق في مسار الملف المالي وإستشاطت غضبا من الرجل فأرادت رد الإساءة والإزعاج فبحثت في مخزونها الثقافي بشكل سريح فلم تجد سوي ماتحتفظ به ذاكرتها من ضرورة إحتقار وإزدراء هذه الشريحة (شريحة لمعلمين )فردت بالعبارات التي ذكرت وزيادة ... وكل ينفق مما عنده ,  أرجو أن لا ننسي أن الكلام والتصرف صادر من وزيرة الثقافة والشباب والرياضة آن ذاك ورئيسة حزب سياسي السيدة لالة بنت الشريف
أما الحالة الثانية :
فهي مع مديرة المكتب الوطني للسياحة O N T السيدة خادجة بنت الدوة والتي لديها هي الأخري قرارشخصي  حاسم حريصة كل الحرص على تطبيقه والغريب في الأمر والمضحك هو أن قرار السيدة المديرة خادجة بنت الدوة يحظر على أبناء شريحة لمعلمين وكل من لديه قرابة بشريحة لمعلمين دخول مكتبها قبل منتصف النهار تطيرا فهم نذر شؤم كما تراهم  وقد حرصت على تطبيق قرارها بالفعل وهي بإختصار " ماتشوف لمعلمين مع الصباح " ولاتستقبلهم حتي ولو تعلق الأمر بمهام ومسؤوليات العمل
أما الحالة الثالثة :
فهي الحادثة الأخيرة التي حدثت الأسبوع الماضي وتحديدا يوم الإثنين الموافق 05ـ 05ـ 2014 مع أسرة من شريجة لمعلمين تسكن مقاطعة عرفات عند تقاطع لكبيد حيث زارها الحاكم المساعد لحاكم  مقاطعة عرفات للبت في نزاع بين أسرة أهل لمصيدف وأسرأخري تجاورها على قطعة الأرض التي يملك أهل لمصيدف منذ زمن بعيد ووفق رواية شهود فإن الحاكم أمر بمنح القطعة الأرضية للأسرة الأخري وأمربإعطاء  أسرة أهل مصيدف قطعة بديلة في الترحيل فرفضت النساء وإمتنعن عن قبول قرار الحاكم وطلبن من الحاكم المساعد محمد محمود ولد عبد الله أن يتراجع عن قرار إنتزاع قطعتهن فأجابهن قائلا أنه لايتكلم مع النساء فأتوني برجال إن كان لمعلمين فيهم رجال  ـ في سابقة إصرار منه على إزدراء هذه الشريحة والتشكيك في عدالة عدولهم بل ورجولة كل أبناء شريحة لمعلمين والجزم على أنهم ليسوا من أبناء صالحين موريتانيا   ـ  ثم تدخل والد الأسرة الشيخ الهرم وعبر عن رفضه لإنتزاع قطعته وأخد في تبيان أدلة إمتلاكه للقطعة الأرضية موضحا أحقيته في البقاء فرد عليه الحاكم المساعد لحاكم مقاطعة عرفات السيد محمد محمود ولد عبد الله قائلا " آن مانتكلم مع لمعلمين بيهم ال روخيين وآن شريف من تنواجيو و لايالل نتكلم مع لمعلمين ووزير الداخلية الحالي إبن عمي  " إعتقادا منه أنه أكبر من لمعلمين حسبا ونسبا ولاينبغي أن يبادلهم الحديث ترفعا وإستعلاء علي شريحة لمعلمين وأن وزير الداخلية الحالي إبن عمه فهو إذن فوق القانون   ... لتنتهي القصة بصفعة السيد الحاكم من قبل الشيخ الهرم الذي أمر بحبسه هو ومن وجد من أبنائه ... وظل الشيخ الهرم حبيسا هو وإبنه وزوج إبنته الى أن تدخلت مساعي ذات طابع قبلي عملت في جو يلفه الغموض والتحوير لتنتهي بالإفراج عن الجماعة ولكن كل الذي أعرفه هو أن الإفراج لن يتم الا بأساليب الإهانة والإحتقار الذي تعودت شريحة لمعلمين أن تعاملها القبيلة بيه والذي تجلي في الضغط على أسرة اهل لمصيدف لتسجل إعتذارها للحاكم المساعد محمد محمود ولد عبد الله ويكذبوا بذلك تصريح المنسق العام لحراك لمعلمين الذي رفض فيه هذ الأسلوب المتخلف وإعتبره إهانة لشريحة بأكملها وهو كذلك بالفعل , ليكون إصتصدار إعتذار من أهل لمصيدف للحاكم المساعد ونشره في بعض وسائل الإعلام هو الطريق الأمثل لحفظ ماء الوجه ... لكن الذي يحفظ ماء الوجه ويعكس عراقة المنبع ويترجم تمام الوعي والمستوي العلمي هو الرقي في الأخلاق والمعاملات ونصاعة الفكر والعقليات ونظافة القلب من أدران أمراض القلون وإملاء الشياطين فالشيطان هو من يستعلي بغير حق .... وليس في إستغلال ضعف الضعفاء والإدعاءات والتمظهر ومحاولة النيل من مكانة الآخر فذلك كله أقرب الى العقد والأمراض النفسية التي تعكس إعتراء النقص لكل ماسبق ذكره منه الى إدعاؤه ...
قد يخيل للقارئ الكريم أنني أبغي من وراء قص هذه الأحداث التعريض ببعض المذكورين هنا ... كلا فوالله ما كان لحملة مثل هذه الأفكار المتخلفة أن يحظو بإهتمام قلمي البتة ولن يكونوا كذلك أبدا
غير أن ما أقصده من كتابة هذ المقال هو لفت إنتباه القارئ الكريم الى ما تعكسه هذه التصرفات العنصرية المتخلفة التي لم يفلح القعود على مقاعد بعض من مستويات التعليم لأصحابها ولا تقلد مهام محترمة في الدولة في تنظيف عقلياتهم وسلوكهم من أدران التفكير البدوي الرجعي العنصري الجاهلي المتخلف ... والدعوة الي التخلي عن مثل هذا السلوك القاتل في حق أصحابه قبل أن ينال من المستهدفين به كما أريد له فهيهات هيهات فالعصر لم يعد عصر التغني بأمجاد لاناقة للفرد فيها ولاجمل فذلك الزمن وقيمه ومعاييره العرجاء الي غيرما رجعة قد ولى ولن نقبل ـ كشباب غيورين على هذ الوطن وحريصين على تماسكه وإعتماده قيم الموضوعية في التعامل مع الناس فيه  ـ أن يعود فكن إبن من شئت ـ أقول أو كن لا أبا لك لايهم ـ وإكتسب أدبا يغنيك مضمونه عن النسب , إن الفتي من يقول هاأنا ذا ليس الفتي من يقول كان أبي.

الثلاثاء، 6 مايو 2014

منسق حراك "لمعلمين "حاكم عرفات يعير الناس على اساس اصولهم

اتهم منسق حراك لمعلمين السيد احمودي ولد الصديق حاكم عرفات محمد محمود ولد عبد الله بالعنصرية والتطاول على الناس  ومعايرتهم على اساس اصولهم وقال ولد الصديق في تصريح لـــ موقع "ريم توداي"  ان الحاكم المذكور قام بتصرفات لا تليق  به ولا بموقعه الحكومي والاداري.
حيث قام بالتلفظ بكلمات ساقطة بحق شيخ مسن من شريحة المعلمين" والد عائلة اهل أمصيدف" بسبب نزاع حول قطعة ارضية يملكها  ولديه الوثائق الثبوتية لذلك.
وقال ان الحاكم وصف الشيخ المسن  وعائلته ومنحدره الاجتماعي " لمعلمين" باوصاف لا تليق قائلا له انا شريف وانت " اكهيل من لمعلمين" وقال ولد الصديق انهم في حراكهم يشعرون باستياء بالغ  وبخيبة امل لهذا السقوط الفج الذي وقع فيه من يتوقع فيه ان يكون ممثلا للسلطة والقانون لا ان يكون ساقطا الى هذه الدرجة من البذاءة وقلة الادب.
واضاف ولد الصديق ان الحاكم امر حرسه بضرب الشيخ التسعيني ضربا مبرحا بنعالهم وسياطهم  دون رحمة او رافة لوقار الشيخ او لحالته الصحية وقام باعتقال ابنائه ووزعهم على مفوضيات للشرطة. واتهم ولد الصديق الحاكم بالغطرسة وبالتعسف في استعمال السلطة والقانون لاهانة الناس وهدر حقوقهم الانسانية الاصيلة وقال ان هذا الشخص ليس مؤهلا لتولي منصب حكومي بهذا المستوى معلنا التحرك لانصاف هذه العائلة.

الاثنين، 28 أبريل 2014

حراك لمعلمين يدعم مسيرة "لحراطين"

منسق الحراك أحمودي ولد الصديق
بيـــــــــــــــان :
إن من أبسط متطلبات الفرد أن يعيش في مجتمع يمنحه الكرامة ويتمتع فيه بكافة الحقوق، تلك الحقوق التي لم تكن في بلدنا على ما يرام، نظرا لما طبع تاريخه من حيف وظلم وبطر للحق وغمط للناس. وقد عانى أبناء كرام من أبناء هذا الوطن من هضم كبير وظلم شديد طال أعز ما يمتلكه الإنسان ألا وهو الحرية والكرامة والحق في العيش الكريم. وعليه يؤكد حراك لمعلمين على ما يلي:
- أكبر مصيبة ناء بها كاهل أمتنا هي تجذر القبلية وضعف لدولة الحقوق والمؤسسات وهو ما يستدعي إعادة هيكلة للدولة بشكل صحيح والعمل على رفع الظلم والحيف عن شرائح عانت لفترات طويلة، مما يستدعي تمييزا إيجابيا في حقهم، وتعتبر مكونة لحراطين ولمعلمين في مقدمة تلك الشرائح.
- إن سعي الإنسان في الحصول على حقه هو هدف نبيل ومسعى محمود فما ضاع حق وراءه مطالب، ولعل مسيرة ميثاق الحقوق السياسية والإقتصادية والإجتماعية للحراطين التي سينظمونها مساء الثلاثاء 29 ابريل الجاري من أهم التحركات الحقوقية المطالبة برفع الظلم عن الذات البشرية، لذلك يعلن "حراك لمعلمين" مساندته ومشاركته ودعمنه الكامل لهذه المسيرة الموفقة، وكل قضايا لحراطين العادلة وعلى رأس تلك القضايا قضية العبودية، ويدعوا كافة ابناء شريحة لمعلمين من اجل الحضور والمشاركة الفعالة سبيلا في إنجاح هذه المسيرة.
- لقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته" الحديث رواه أبو داود وهو حسن، خلافا للوقوف في وجه المظلوم ومنعه من التعبير عن مظلمته الذي يعد في غاية الخطورة.
- أيها المظلوم تحرك قاوم الظلم ولا تتركه يفتك بك قبل الظالم..!! فالله تعالى ذكر كلمة الظلم في أكثر من مائتين وأربعين موضعاً ، محذرًا منه بأساليب مختلفة واشتقاقات متنوعة ، تارةً بتنـزيه الله تعالى نفسه عن هذه الصفة ، قال تعالى: " وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ "(الحج:10) ، وتارة بالأمر بالعدل مع الناس كلهم حتى مع غير المسلمين ، قال عز وجل: " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبى .." (النحل:90)  وقال: " ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " ( المائدة:8 ) ، وأحيانا يأتي ذم الظلم بذم أهله مقروناً بمقت الله لهم ، كقوله تعالى:" وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما " ( طه:111 ) ، وقال أبو بكر رضي الله عنه عندما ولي الخلافة: "الضعيف منكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه...
انه يعمل علي حماية الضعفاء من ظلم الأقوياء، وحفظ الفقراء من جور الأغنياء ، وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ) متفق عليه ثم قرأ: "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد."
 عن حراك لمعلمين منسق الحراك أحمودي ولد الصديق.

الخميس، 24 أبريل 2014

لمْعلمْ / محمد السالك ولد ناجم

في قريتنا العزلاء، ذات الدّور الإسمنتية المتناثرة، جوار مبانٍ تقليدية مستطيلة الشكل، ترتكز إلى دعائم حديدية أسطوانية، محاطة في الجهات الأربع برداء عريض للتدفئة، تغطّيها أسقف هرمية الشكل من صفائح حديدية صدئة من أثر أشعة الشمس وقرْع الأمطار، لم تكن الأيام تمتاز عن بعضها البعض إلا في الأعياد والمناسبات، وماعدا ذلك تمضي الحياة عادية ورتيبة.
وذاتَ أسبوع شِتوي عاصف، تصادف أن اجتمعت في القرية، مناسبتان في اليوم نفسِه، وابتسم الحظّ للصّبيان والمتسكّعين. في الجهة الشرقية من القرية كانت دار أهل اشريفْ تزدحم بالوافدين من داخل القرية ومن القرى المجاورة،  والقادمين من المدينة التي تبعد عشرات الكيلومترات، وكان صُياح الكباش التي تجاوزت العشرة، يعلو في تتابع. وفي الجهة الشمالية كان منزل أهل امحميدات يستقبل فُرادى من رجال ونسوة القرية، وقد  ربطت عند جذع شجرة إلى الجهة الخلفية للمنزل نعجتان وخروف. وأقيمت الولائم عند الأسرتيْن، وعمّت أجواء الاحتفاء بمولوديْهما في أرجاء القرية. يومَها رأيتُ طيّبَ الذّكر اسويدات خارجا بُعيد العصر من عندِ دار أهل اشريف، يمسح يديه وفمه بطرف لثامه، ويهزّ رأسَه في عظةٍ ظاهرية:
ـ سبحان الله!.. النّاس خلقهامولان و لا ساوَاهَا
لم يكن اسويدات يفوّت أي مناسبة تحينُ في ليل أو نهار، ولم تفته في ذلك اليوم المشهود، فرصة حضور المناسبتيْن رغم تزامنهما، غير أنه أمضى ضحوة اليوم وقيلولته عند أهل اشريف، بعد أن مر في طريقه وعلى عجل بمنزل أهل امحيمدات.
وفي سائر الأيام لم تكن مجالس الشاي في القرية، تخلو من حضور اسويدات إلا في ما ندَرْ. كان اسويدات معروفا بين أهل القرية بطرافتِه وحسّه الساخر، حيث يطلق النكات متندّرا على الحاضر والغائب، ويسخر حتى من نفسه في بعض الأحيان، ولم يكن يستثني من أهل القرية في سخريته وتهكّمه أحدًا سوى أهل اشريف، الذين كان يقول إنه يخشى السخرية منهم حتى لا تصيبه صاعقة من السماء، أو تزلزلَ من تحت قدميه الأرض!..وكان يسأل في دعائه أن يُرزق بركتهم، وبَرَكةَ آبائهم وأجدادهم!
مرّت الأيام والليالي، وتوالت السنين، ونشأت صداقة في الصّبا بيني وبين الهادي ولد اشريف، ومحمد الامين ولد امحيمدات، الذي اشتهر منذ الصغر باسم آلويمين، حيث كنّا ندرس صحبة أطفال آخرينَ من القرية في محظرة المسجد، وأذكر أن جدّتي كانت دائما تُوصيني بمصاحبة الهادي واللّعب معَه، وتحذرني من آلويمينْ...كانت جدتي تكرّر على مسمعي:
ـ لا تُصاحب إلا أبناء الكرام.."لا خير في الحدّاد ولو كان عالمًا!".."العِرق دسّاس" يا ولدي!
وأذكر أنّا كنّا في فترة الطفولة نتندّرُ على آلويمين ونلمزُ في أصله، وكنّا نرميه ساخرين بصفات الجُبن، والعَجلَة، والشّره، كما كان بعضُ الصّبية يرميه بتُهمة احتراف السّرقة، ولم يكن آلويمين في الغالب يغضب من ذلك، بل كان في بعض الأحيان، يُجارينا السخرية والضحكَ من تلعثمه وكثرة أغلاطه في الكلام، وكان آلويمين إلى ذلكَ أمهرنا في ابتكار وتركيب الألعاب التي كنّا نلتقطُ أجزاءها من نفايات القرية!
أما الهادي فكان من أسرعِنا حفظًا في المحظرة، وكان كثير التحدّث بيننا، عن كرامات أجداده، وأحيانا عن كرامات شخصية يزعم أنها حدثت معه، ولم يكن له من شاهد غير تصديقنا التلقائي وتأميننا على كلامه، وكثيرا ما كان شيخنا في المحظرة، يمسح بيديه على رأس الهادي ويقبّله ويدعو له، ويقول إن سمات العلم والنباهة والصّلاح واضحة في محيّاه الصغير!
قويتْ أواصر الصداقة بين الهادي وآلويمين مع الزمن، وكان الأخير كثير التردّد على منزل أهل اشريف، من حينٍ إلى آخر، ورغم الاحترام الظاهر بين العائلتيْن الجيران، لم تكن تخفى علامات النظر باستعلاء من طرف أهل الهادي لشخص آلويمين، إلى أن حدثت واقعةٌ كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، فذات مساء كان آلويمين عند منزل أهل اشريف صحبة الهادي وبعض الشبّان الآخرين من القرية، وبعيد مغادرة آلويمين المنزلَ بساعات، نشب حريقٌ مُفاجئ في إحدى غُرفِه، وانهالت القصص والأقاويل، وصار أكثر أهل القرية يتحدّثون عن شؤمٍ يُرافق آلويمين أينما حلّ أو ارتحل، وجعلَ النّاس في القرية يتطيرون منه، ويتحاشون مجالستَه أو الاجتماعَ به، ورغم ذلك لم يكن الناس داخل القرية في غنى عن آلويمين لإتقانِه الأعمال اليدوية، وخبرتِه في الحدادة، التي ورثها أبًا عن جدّ.
بعد مرور عدّة سنين، غادرتُ قريتنا الصغيرة، باتجاه العاصمة نواكشوط، للتسجيل في الثانوية، وانقطعت عني أخبار القرية، سوى ما يجلبه بعض الوافدين من الأهل إلى نواكشوط، حيث علمتُ أن آلويمينْ غادرَ القرية بعد وفاة والديْه إلى العاصمة، حيث افتتحَ محلاّ للصناعة التقليدية، أمّا الهادي فقد ذاعَ صيتُه بين النّاس، حيث صارَ وجيها، ذا نفوذ تقليدي واسع، ويحظى بمكانة خاصة في أوساط مريديه.
وبعد حصولي على الباكلوريا، سافرتُ إلى فرنسا لاستكمال الدراسة، والتخصص في مجال الطبّ، وانقطعت عنّي بشكل تام، أخبار القرية وأهلها، وبينما كنتُ أحضرّ للعودة مؤقتا إلى أرض الوطن، تلقّيتُ اتصالا مُفاجئا من الهادي ولد اشريف، يُخبرني فيه بأن والدتَه زينب، أصيبت بفشل كلوي حاد، وبنيتهم السفر إلى فرنسا لإجراء عملية جراحية لها، حيث طلبَ منس مساعدتهم في استكمال إجراءات السفر إلى باريس، والتحضير لإجراءات العلاج. وبعد قدوم عائلة أهل اشريف إلى فرنسا لعلاج الوالدة، شرعنا في الإجراءات الطبّية، حيث أراد الهادي التبرّع لها بإحدى كليتيْه لإنقاذ حياتِها، وبعد خضوع الهادي للفحوصات الأولية، استدعاني الطبيب المشرف على الفحوصات بوصفي الناطق الوحيد بالفرنسية بين المعنيين بالأمر، وعند اللقاء بالطبيب الفرنسي، أنبأني بنبإ وقعَ عليّ وقوع الصاعقة، وحاولْتُ في البداية تفاديه وعدمَ تصديقِه، حتى أطلعني الطبيب على الكشوفات الطبّية التي أثبتتْ يقينًا أنّ الهادي لا تربطه أية صلةِ قُرْبَى ب"أمّه" زينب!
وتردّدتُ في إخبار الهادي وعائلته بالأمر، متعلّلا لهم بادئ الأمر بتأخر ظهور نتائج الفحوصات، غير أنّ تدهور الوضع الصحي لزينب، وحاجتَها الملحّة إلى متبرّع بكلية في أسرع وقت، لم يدع أمامي متّسعًا للصّمت والتردّد، ممّا اضطرّني لإخبار أفراد العائلة مجتمعينَ بالحقيقة، حيث كانت صدمتُهم عند سماع الخبر بالغة وعنيفة، وبعد تراجع آثار الصّدمة وتقبّل الأمر الواقع، شرعنا في التحرّي بفهم ما جرى، ليُخبرنا والد العائلة، أنه في ليلة ميلاد الهادي، لم يدخل نقطة التوليد، نزيلٌ عدا عائلتيْ اشريف، وامحيمدات؛ حيث تزامن ميلاد كلّ من الهادي وآلويمينْ في نفس الليلة بفارق ساعات قليلة، وكانت العائلتان في نفس الغرفة، وشهدت الليلة هبوب رياح عاصفة، وهطول أمطار غزيرة، ممّا تسبّبَ في انقطاع التيار الكهربائي عن النقطة الصحية عدّة مرّات، ممّا يرجّح حدوث تبادل لمولوديْ العائلتيْن عن طريق الخطأ، وكان لا بدّ من إجراء فحوصات طبية لآلويمينْ للتحقّق من هذه الفرضية!
وبعد إجرائي اتصالات هاتفية ببعض المعارف في نواكشوط، فوجئتُ بأحدهم يُخبرني أن آلويمين موجودٌ في العاصمة الفرنسية باريس، في إطار تنظيم معرض للصناعات التقليدية الموريتانية، ولم أستغرق كثير وقتٍ للحصول على عنوانه، حيث اتصلتُ به، وأخبرتُه القصّة، وشرحتُ له الظرف الصحيّ الحرج لزينب، وبعد إفاقته من صدمة الواقعة، وغثر الكثير من التردّد والجدال، قبلَ آلويمين إجراء الفحوصات اللاّزمة لقطع الشكّ باليقين، حيث أثبتت الفحوصات بشكل قاطع أن آلويمين هو الابن الحقيقي لشريف وزينب!
وعقب قبول آلويمين التبرّع بإحدى كليتيه لوالدتِه، وبعد استكمال عملية زرع الكلية بنجاح، غادر الجميعُ إلى أرض الوطن...آلويمين بجُرحٍ في جهته اليُسرى، وبكلية واحدة، والباقون بجراحٍ أُخرى أعمقَ غورًا، غيّرت نظرتهم للنّاس والأشياء. ليستأنفَ كلٌّ دورَه الذي رسمتْه له الأقدار في تراجيديا الحياة!.